فخر الدين الرازي
15
تفسير الرازي
من وجهين الأول : أن مال الرجل الواحد لا يبلغ هذا المبلغ ، ولو أنا قدرنا بلدة مملوءة من الذهب والجواهر لكفاها أعداد قليلة من المفاتيح ، فأي حاجة إلى تكثير هذه المفاتيح الثاني : أن الكنوز هي الأموال المدخرة في الأرض ، فلا يجوز أن يكون لها مفاتيح والجواب : عن الأول أن المال إذا كان من جنس العروض ، لا من جنس النقد جاز أن يبلغ في الكثرة إلى هذا الحد ، وأيضاً فهذا الذي يقال إن تلك المفاتيح بلغت ستين حملاً ، ليس مذكوراً في القرآن فلا تقبل هذه الرواية ، وتفسير القرآن أن تلك المفاتيح كانت كثيرة ، وكان كل واحد منها معيناً لشيء آخر ، فكان يثقل على العصبة ضبطها ومعرفتها بسبب كثرتها ، وعلى هذا الوجه يزول الاستبعاد ، وعن الثاني أن ظاهر الكنز وإن كان من جهة العرف ما قالوا فقد يقع على المال المجموع في المواضع التي عليها أغلاق القول الثاني : وهو اختيار ابن عباس والحسن أن تحمل المفاتح على نفس المال وهذا أبين وعن الشبهة أبعد . قال ابن عباس : كانت خزائنه يحملها أربعون رجلاً أقوياء ، وكانت خزائنه أربعمائة ألف فيحمل كل رجل عشرة آلاف القول الثالث : وهو اختيار أبي مسلم : أن المراد من المفاتح العلم والإحاطة كقوله : * ( وعنده مفاتح الغيب ) * ( الأنعام : 59 ) والمراد آتيناه من الكنوز ما إن حفظها والاطلاع عليها ليثقل على العصبة أولي القوة والهداية ، أي هذه الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها تتعب حفظتها والقائمين عليها أن يحفظوها ، ثم إنه تعالى بين أنه كان في قومه من وعظه بأمور أحدها : قوله : * ( لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين ) * والمراد لا يلحقه من البطر والتمسك بالدنيا ما يلهيه عن أمر الآخرة أصلاً ، وقال بعضهم : إنه لا يفرح بالدنيا إلا من رضي بها واطمأن إليها ، فأما من يعلم أنه سيفارق الدنيا عن قريب لم يفرح بها وما أحسن ما قال المتنبي : أشد الغم عندي في سرور * تيقن عنه صاحبه انتقالا وأحسن وأوجز منه ما قال تعالى : * ( لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ) * ( الحديد : 23 ) قال ابن عباس : كان فرحه ذلك شركاً ، لأنه ما كان يخاف معه عقوبة الله تعالى وثانيها : قوله : * ( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ) * والظاهر أنه كان مقراً بالآخرة ، والمراد أن يصرف المال إلى ما يؤديه إلى الجنة ويسلك طريقة التواضع وثالثها : قوله : * ( ولا تنس نصيبك من الدنيا ) * وفيه وجوه أحدها : لعله كان مستغرق الهم في طلب الدنيا فلأجل ذلك ما كان يتفرغ للتنعم والالتذاذ فنهاه الواعظ عن ذلك وثانيها : لما أمره الواعظ بصرف المال إلى الآخرة بين له بهذا الكلام أنه لا بأس بالتمتع بالوجوه المباحة وثالثها : المراد منه الإنفاق في طاعة الله فإن ذلك هو نصيب المرء من الدنيا دون الذي يأكل ويشرب قال عليه السلام : " فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ، ومن دنياه لآخرته ، ومن الشبيبة قبل الكبر ، ومن الحياة قبل الموت فوالذي نفس محمد بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا دار إلا الجنة والنار " ورابعها : قوله : * ( وأحسن كما أحسن الله إليك ) * لما أمره